ابن عطية الأندلسي

190

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما ، وهو المؤلم ، وَاسْمَعُوا معطوف على قُولُوا لا على معمولها . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 105 إلى 106 ] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 ) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) التقدير ولا من المشركين . وعم الذين كفروا ثم بيّن أجناسهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ليبين في الألف واللام في الَّذِينَ أنها ليست للعهد يراد بها معين ، ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن تعظموا نبيكم خير من اللّه منحكم إياه ، وذلك لا يؤدّه الكفار . ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا ، و أَنْ مع الفعل بتأويل المصدر ، و مِنْ زائدة في قول بعضهم . ولما كان ود نزول الخير منتفيا ، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم مِنْ الزائدة على قول سيبويه والخليل . وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب ، وقال قوم : مِنْ للتبعيض ؛ لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير ، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول : نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض ، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل ، والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها اللّه عباده قديما وحديثا ، وقال قوم : الرحمة هي القرآن ، وقال قوم : نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية . وقوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها الآية ، النسخ في كلام العرب على وجهين : أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر ، والثاني الإزالة ، فأما الأول فلا مدخل له في هذه الآية ، وورد في كتاب اللّه تعالى في قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية : 29 ] ، وأما الثاني الذي هو الإزالة فهو الذي في هذه الآية ، وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم نسخت الشمس الظل ، والآخر لا يثبت كقولهم « نسخت الريح الأثر » ، وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين ، والناسخ حقيقة هو اللّه تعالى ، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا إذ به يقع النسخ ، وحد الناسخ عند حذاق أهل السنة : الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت ، بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه . والنسخ جائز على اللّه تعالى عقلا لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى ، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت ، ولا النسخ لطروّ علم ، بل اللّه تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني . والبداء لا يجوز على اللّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروّ علم أو لتغير إرادة ، وذلك محال في جهة اللّه تعالى ، وجعلت اليهود النسخ والبداء واحدا ، ولذلك لم يجوزوه فضلّوا . والمنسوخ عند أئمتنا : الحكم الثابت نفسه ، لا ما ذهبت إليه المعتزلة ، من أنه مثل الحكم الثابت